الشنقيطي

287

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) [ العنكبوت : 46 ] أي إلّا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجادلهم بالسيّف حتّى يؤمنوا ، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . ونظير ما ذكر هنا من المجادلة بالتي هي أحسن : قوله لموسى وهارون في شأن فرعون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ( 44 ) [ طه : 44 ] . ومن ذلك القول اللين : قول موسى له هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ( 18 ) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى ( 19 ) [ النازعات : 18 - 19 ] . قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) [ 125 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه أعلم بمن ضلّ عن سبيله ؛ أي زاغ عن طريق الصّواب والحقّ ، إلى طريق الكفر والضّلال . وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله ( في أول القلم ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 7 ) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) [ القلم : 7 - 8 ] ، وقوله ( في الأنعام ) : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 ) [ الأنعام : 117 ] ، وقوله ( في النجم ) : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى ( 30 ) [ النجم : 30 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدّا . والظاهر أنّ صيغة التّفضيل التّي هي أَعْلَمُ في هذه الآيات يراد بها مطلق الوصف لا التّفضيل ؛ لأنّ اللّه لا يشاركه أحد في علم ما يصير إليه خلقه من شقاوة وسعادة ؛ فهي كقول الشّنفر : وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن * بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل أي لم أكن بعجلهم . وقول الفرزدق : إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعزّ وأطول أي عزيزة طويلة . قوله تعالى : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) [ 126 ] . نزلت هذه الآية الكريمة من سورة النّحل بالمدينة ، في تمثيل المشركين بحمزة ومن قتل معه يوم أحد . فقال المسلمون : لئن أظفرنا اللّه بهم لنمثلن بهم ؛ فنزلت الآية الكريمة ، فصبروا لقوله تعالى : لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) مع أنّ سورة النّحل مكّيّة ، إلّا هذه الآيات الثّلاث من آخرها . والآية فيها جواز الانتقام والإرشاد إلى أفضليّة العفو . وقد ذكر تعالى هذا المعنى في القرآن ؛ كقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ الشور : 40 ] الآية ، وقوله : وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ